أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

130

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عبارتان ، عبارة تؤذن بأن « بين » مصدر بان يبين بينا ، بمعنى « بعد » ، فيكون من الأضداد ، أي : أنه مشترك اشتراكا لفظيا ، يستعمل للوصل والفراق ، كالجون للأسود والأبيض ، ويعزى هذا لأبي عمرو ، وابن جني ، والمهدوي ، والزهراوي ، وقال أبو عبيد : « وكان أبو عمرو يقول : معنى : « تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ » : « تقطّع وصلكم فصارت هنا اسما من غير أن يكون معها « ما » . وقال الزجاج : « والرفع أجود ، ومعناه : لقد تقطّع وصلكم » . فقد أطلق هؤلاء أن « بين » بمعنى الوصل ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ، إلّا أن ابن عطية طعن فيه وزعم أنه لم يسمع من العرب « البين » بمعنى الوصل ، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية ، أو أنه أريد بالبين : الافتراق ، وذلك مجاز عن الأمر البعيد ، والمعنى : لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها ، فعبر عن ذلك « بالبين » . قلت : فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فهم أنها بمعنى الوصل حقيقة ، ثم ردّه بكونه لم يسمع من العرب ، وهذا منه غير مرضيّ ، لأن أبا عمرو ، وأبا عبيد ، وابن جني ، والزهراوي ، والمهدوي ، والزجاج ، أئمة يقبل قولهم . وقوله : « وإنما انتزع من هذه الآية ، ممنوع ، بل ذلك مفهوم من لغة العرب ، ولو لم يكن ممن نقلها إلّا أبو عمرو لكفى به . وعبارته تؤذن بأنه مجاز ، ووجه المجاز كما قاله الفارسي : أنه لما استعمل « بين » مع الشيئين المتلابسين في نحو : « بيني وبينك شركة ، وبيني وبينك رحم وصداقة » صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة ، وعلى خلاف الفرقة ، فلهذا جاء : لقد تقطّع وصلكم » . وإذا تقرر هذا فالقول بكونه مجازا أولى من القول بكونه مشتركا ، لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز ، فالمجاز خير منه عند الجمهور . وقال أبو علي أيضا : « ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا ، أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه ، أو يكون الذي هو مصدر ، فلا يجوز أن يكون هذا القسم ، لأن التقدير يصير : لقد تقطّع افتراقكم ، وهذا خلاف القصد والمعنى ، ألا ترى أن المراد وصلكم وما كنتم تتآلفون عليه . فأن قلت : كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل ، وأصله الافتراق والتباين ؟ قيل : إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو : بيني وبينك شركة ، فذكر ما قدمته عنه من وجه المجاز إلى آخره . واختار أبو عبيد ، والزجاج ، وجماعة ، قراءة الرفع ، قال أبو عبيد : « وكذلك نقرؤها بالرفع ، لأنا قد وجدنا العرب تجعل « بين » اسما من غير « ما » ويصدق ذلك قوله تعالى : بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما « 1 » ، فجعل « بين » اسما من غير « ما » ، وكذلك قوله : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ « 2 » ، قال « وقد سمعناه في غير موضع من أشعارها ، ثم ذكر ما ذكرته عن أبي عمرو بن العلاء ، ثم قال : وقرأها الكسائي نصبا ، وكان يعتبرها بحرف عبد اللّه : « لقد تقطّع ما بينكم » . وقال الزجاج : « والرفع أجود ، والنصب جائز ، والمعنى : لقد تقطع ما كان من الشركة بينكم » . الثالث : أن هذا كلام محمول على معناه ، إذ المعنى : لقد تفرق جمعكم وتشتّت ، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب . قوله : ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة ، أو مصدرية ، والعائد على الوجهين الأولين محذوف ، بخلاف الثالث ، والتقدير : تزعمونهم شركاء أو شفعاء ، فالعائد هو المفعول الأول ، و « شُرَكاءُ » هو الثاني ، فالمفعولان محذوفان اختصارا ، للدلالة عليهما ، إن قلنا إن « ما » موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة . ويجوز أن يكون الحذف حذف اقتصار ، إن قلنا : إنها مصدرية ، لأن المصدرية لا تحتاج إلى عائد ، بخلاف غيرها ، فإنها تفتقر إلى عائد ، فلا بدّ من الالتفات إليه ، وحينئذ يلزم تقديره المفعول الثاني . ومن الحذف اختصارا قوله :

--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 61 ) . ( 2 ) سورة الكهف ، آية ( 78 ) .